فصل: تفسير الآيات (215- 218):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (203- 214):

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)}
{واذكروا الله في أَيَّامٍ معدودات} هي أيام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار {فَمَن تَعَجَّلَ} فمن عجل في النفر أو استعجل النفر. وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل. يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل الذهاب واستعجله والمطاوعة أوفق لقوله و{من تأخر} {فِى يَوْمَيْنِ} من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فلا يأثم بهذا التعجل {وَمَن تَأَخَّرَ} حتى رمى في اليوم الثالث {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى} الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير في التعجل. والتأخر وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل. وقيل: كان أهل الجاهلية فريقين منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما {واتقوا الله} في جميع الأمور {واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} حين يبعثكم من القبور. كان الأخنس بن شريق حلو المنطق إذا لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألان له القول وادعى أنه يحبه وأنه مسلم وقال يعلم الله أني صادق فنزل فيه.
{وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ} يروقك ويعظم في قلبك ومنه الشيء العجيب الذي يعظم في النفس {فِي الحياة الدنيا} (في) يتعلق بالقول أي يعجبك ما يقول في معنى الدنيا لأنه يطلب بادعاء المحبة حظ الدنيا ولا يريد به الآخرة، أو ب {يعجبك} أي يعجبك حلو كلامه في الدنيا لا في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الحبسة واللكنة {وَيُشْهِدُ الله على مَا في قَلْبِهِ} أي يحلف ويقول الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام {وَهُوَ أَلَدُّ الخصام} شديد الجدال والعداوة للمسلمين، والخصام والمخاصمة والإضافة بمعنى في لأن (أفعل) يضاف إلى ما هو بعضه تقول: زيد أفضل القوم ولا يكون الشخص بعض الحدث فتقديره ألد في الخصومة، أو الخصام جمع خصم كصعب وصعاب والتقدير: وهو أشد الخصوم خصومة. {وَإِذَا تولى} عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق {سعى في الأرض لِيُفْسِدَ} كما فعل بثقيف فإنه كان بينه وبينهم خصومة فبيتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرق زروعهم {فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل} أي الزرع والحيوان، أو إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل. وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الخرث والنسل. {والله لاَ يُحِبُّ الفساد * وَإِذَا قِيلَ لَهُ} للأخنس {اتق الله} في الإفساد والإهلاك {أَخَذَتْهُ العزة بالإثم} حملته النخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه وألزمته ارتكابه، أو الباء للسبب أي أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} أي كافيه {وَلَبِئْسَ المهاد} أي الفراش جهنم.
ونزل في صهيب حين أراده المشركون على ترك الإسلام وقتلوا نفراً كانوا معه فاشترى نفسه بماله منهم وأتى المدينة، أو فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل {وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ} يبيعها {ابتغاء} لابتغاء {مَرْضَاتِ الله والله رَءُوفٌ بالعباد} حيث أثابهم على ذلك {يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم} وبفتح السين حجازي وعلي، وهو الاستسلام والطاعة أي استسلموا لله وأطيعوه أو الإسلام، والخطاب لأهل الكتاب لأنهم آمنوا بنبيهم وكتابهم، أو للمنافقين لأنهم آمنوا بألسنتهم {كَافَّةً} لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته حال من الضمير في {ادخلوا} أي جميعاً، أو من السلم لأنها تؤنث كأنهم أمروا أن يدخلوا في الطاعات كلها، أو في شعب الإسلام وشرائعه كلها، وكافة من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} وساوسه {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة {فَإِن زَلَلْتُمْ} ملتم عن الدخول في السلم {مّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ البينات} أي الحجج الواضحة والشواهد اللائحة على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق {فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ} غالب لا يمنعه شيء من عذابكم {حَكِيمٌ} لا يعذب إلا بحق. ورُوي أن قارئاً قرأ {غفور رحيم} فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره وقال ليس هذا من كلام الله إذ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل والعصيان لأنه إغراء عليه.
{هَلْ يَنظُرُونَ} ما ينتظرون {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله} أي أمر الله وبأسه كقوله: {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ} [النحل: 33]. {فَجَاءهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: 4] أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: {فاعلموا أن الله عزيز} {فِي ظُلَلٍ} جمع ظلة وهي ما أظلك {مِّنَ الغمام} الحساب. وهو للتهويل إذ الغمام مظنة الرحمة أنزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول {والملائكة} أي وتأتي الملائكة الذين وكلوا بتعذيبهم أو المراد حضورهم يوم القيامة {وَقُضِىَ الأمر} أي وتم أمر إهلاكهم وفرغ منه {وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} أي أنه ملّك العباد بعض الأمور فترجع إليه الأمور يوم النشور. {ترجع الأمور} حيث كان: شامي وحمزة وعلي. {سَلْ} أصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين بعد حذفها واستغني عن همزة الوصل فصار {سل}. وهو أمر للرسول أو لكل أحد وهو سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة.
{بَنِى إسراءيل كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتهم أو من آية في الكتب شاهدة على صحة دين الإسلام. و{كم} استفهامية أو خبرية {وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله} هي آياته وهي أجل نعمة من الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة وتبديلهم إياها، إن الله أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] أو حرفوا آيات الكتب الدالة على دين محمد عليه السلام {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} من بعد ما عرفها وصحت عنده لأنه إذا لم يعرفها فكأنها غائبة عنه {فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب} لمن استحقه.
{زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا} المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها، أو الله تعالى يخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ويدل عليه قراءة من قرأ {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ} كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها {والذين اتقوا} عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة} لأنهم في جنة عالية وهم في نار هاوية {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقتير يعني أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهي استدارجكم بالنعمة ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم {كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} متفقين على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام، أو هم نوح ومن كان معه في السفينة فاختلفوا {فَبَعَثَ الله النبيين} ويدل على حذفه قوله تعالى: {لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ} [البقرة: 213] وقراءة عبد الله {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا} وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} [يونس: 19] أو كان الناس أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول الأوجه {مُبَشّرِينَ} بالثواب للمؤمنين {وَمُنذِرِينَ} بالعقاب للكافرين وهما حالان {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب} أي مع كل واحد منهم كتابه {بالحق} بتبيان الحق {لِيَحْكُمَ} الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه {بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ} في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق. {وَمَا اختلف فِيهِ} في الحق {إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} على صدقه {بَغْياً بَيْنَهُمْ} مفعول له أي حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم {فَهَدَى الله الذين ءَامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ} أي هدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف فيه {مِنَ الحق} بيان لما اختلفوا فيه {بِإِذْنِهِ} بعلمه {والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} {أَمْ حَسِبْتُمْ} أم منقطعة لا متصلة لأن شرطها أن يكون قبلها همزة الاستفهام كقولك (أعندك زيد أم عمرو) أي أيهما عندك؟ وجوابه زيد إن كان عنده زيد، أوعمرو إن كان عنده عمرو.
وأما (أم) المنقطعة فتقع بعد الاستفهام وبعد الخبر وتكون بمعنى بل والهمزة، والتقدير: بل أحسبتم ومعنى الهمزة فيها للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده. لما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات تشجيعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له، قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ أم حسبتم {أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم} أي ولم يأتكم وفي (لما) معنى التوقع يعني أن إتيان ذلك متوقع منتظر. {مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ} مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة {مِن قَبْلِكُمْ} من النبيين والمؤمنين {مَسَّتْهُمْ} بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل فقيل: مستهم {البأساء} أي البؤس {والضراء} المرض والجوع {وَزُلْزِلُواْ} وحركوا بأنواع البلايا وأزعجوا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة {حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ} إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين فيها {متى نَصْرُ الله} أي بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك، ومعناه طلب النصر وتمنيه واستطالة زمان الشدة فقيل لهم {أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ} إجابة لهم إلى طلبهم من عاجل النصر. {يقول} بالرفع: نافع على حكاية حال ماضية نحو (شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه). وغيره بالنصب على إضمار (أن) ومعنى الاستقبال لأن (أن) علم له. ولما قال عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير وله مال عظيم: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ نزل.

.تفسير الآيات (215- 218):

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)}
{يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقد تضمن قوله ما أنفقتم من خير بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها عن الحسن هي في التطوع {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} فيجزى عليه {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال} فرض عليكم جهاد الكفار {وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} من الكراهة فوضع المصدر موضع الوصف مبالغة كقولها:
فإنما هي إقبال وإدبار

كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له أوهو فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز أي وهو مكروه لكم {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فأنتم تكرهون الغزو وفيه إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا} وهو القعود عن الغزو {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر {والله يَعْلَمُ} ما هو خير لكم {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم، ونزل في سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهل هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك فقالت قريش: قد استحل محمد عليه السلام الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف.
{يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام} أي يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام.
{قِتَالٍ فِيهِ} بدل الاشتمال من {الشهر}. وقرئ {عن قتال فيه} على تكرير العامل كقوله: {للذين استضعفوا لمن آمن منهم} [الأعراف: 75].
{قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} أي إثم كبير. {قتال} مبتدأ و{كبير} خبره وجاز الابتداء بالنكرة لأنها قد وصفت ب {فيه} وأكثر الأقاويل على أنها منسوخة بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5]. {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ الله} أي منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت عام الحديبية وهو مبتدأ {وَكُفْرٌ بِهِ} أي بالله عطف على {صد} {والمسجد الحرام} عطف على {سبيل الله} أي وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. وزعم الفراء أنه معطوف على الهاء في به أي كفر به وبالمسجد الحرام، ولا يجوز عند البصريين العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فلا تقول: مررت به وزيد ولكن تقول وبزيد، ولو كان معطوفاً على الهاء هنا لقيل وكفر به وبالمسجد الحرام. {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أي أهل المسجد الحرام وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وهو عطف على {صد} أيضاً {مِنْهُ} من المسجد الحرام وخبر الأسماء الثلاثة {أَكْبَرُ عِندَ الله} أي مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن {والفتنة} الإخراج أو الشرك {أَكْبَرُ مِنَ القتل} في الشهر الحرام، أو تعذيب الكفار المسلمين أشد قبحاً من قتل هؤلاء المسلمين في الشهر الحرام {وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} أي إلى الكفر وهو إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين وأنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم.
{حتى} معناها التعليل نحو (فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة) أي يقاتلونكم كي يردوكم. وقوله تعالى: {إِنِ اسْتَطَاعُواْ} استبعاد لاستطاعتهم كقولك لعدوك (إن ظفرت بي فلا تبق علي) وأنت واثق بأنه لا يظفر بك {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} ومن يرجع عن دينه إلى دينهم {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} أي يمت على الردة {فأولئك حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة} لما يفوتهم بالردة مما للمسلمين في الدنيا من ثمرات الإسلام وفي الآخرة من الثواب وحسن المآب {وأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} وبها احتج الشافعي رحمه الله على أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت عليها. وقلنا: قد علق الحبط بنفس الردة بقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5] والأصل عندنا أن المطلق لا يحمل على المقيد، وعنده يحمل عليه فهو بناء على هذا.
ولما قالت السرية أيكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله نزل {إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَاجَرُواْ} تركوا مكة وعشائرهم {وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله} المشركين ولا وقف عليه لأن {أولئك يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله} خبر {إن}. قيل: من رجا طلب ومن خاف هرب {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نزل في الخمر أربع آيات نزل بمكة: {وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} [النحل: 67]. فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال، ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال فنزل: